ابن كثير

61

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

قال ابن جرير « 1 » : حدثنا محمد بن عبد اللّه بن بزيع البصري حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك ، ثم ندم فأرسل إلى قومه أن سلوا لي رسول اللّه هل لي من توبة ؟ فنزلت كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ - إلى قوله - فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فأرسل إليه قومه فأسلم ، وهكذا رواه النسائي والحاكم وابن حبان من طريق داود بن أبي هند به ، وقال الحاكم : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه . وقال عبد الرزاق : أنبأنا جعفر بن سليمان ، حدثنا حميد الأعرج ، عن مجاهد ، قال : جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه ، فأنزل اللّه فيه كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ - إلى قوله - غَفُورٌ رَحِيمٌ قال : فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه ، فقال الحارث : إنك - واللّه ما علمت - لصدوق ، وإن رسول اللّه لأصدق منك ، وإن اللّه لأصدق الثلاثة ، قال : فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه « 2 » . فقوله تعالى : كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ أي قامت عليهم الحجج والبراهين على صدق ما جاءهم به الرسول ، ووضح لهم الأمر ثم ارتدوا إلى ظلمة الشرك ، فكيف يستحق هؤلاء الهداية بعد ما تلبسوا به من العماية ، ولهذا قال تعالى : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . ثم قال تعالى أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ أي يلعنهم اللّه ، ويلعنهم خلقه ، خالِدِينَ فِيها أي في اللعنة ، لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أي لا يفتر عنهم العذاب ولا يخفف عنهم ساعة واحدة ثم قال تعالى : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وهذا من لطفه وبره ورأفته ورحمته وعائدته على خلقه أن من تاب إليه ، تاب عليه . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 90 إلى 91 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ( 90 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 91 ) يقول تعالى متوعدا ومهددا لمن كفر بعد إيمانه ، ثم ازداد كفرا ، أي استمر عليه إلى الممات ، ومخبرا بأنهم لن تقبل لهم توبة عند الممات ، كما قال تعالى : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [ النساء : 18 ] ، ولهذا قال هاهنا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ أي الخارجون عن المنهج الحق إلى طريق الغي . قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن عبد اللّه بن بزيع ، حدثنا يزيد بن زريع حدثنا

--> ( 1 ) تفسير الطبري 3 / 338 . ( 2 ) تفسير الطبري 3 / 338 - 339 .